الأصول الأصيلة - الفيض القاساني - الصفحة ١٦١
قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور، من اصدار كل وارد عليه وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشاف عشوات (1)، مفتاح مبهمات، دفاع معضلات، دليل - فلوات، يقول ويفهم، ويسكت فيعلم، قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمها، ولا مظنة الا قصدها، قد مكن الكتاب من زمامه فهو قائده وامامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله.
وقال (ع) أيضا (2): وآخر قد تسمى عالما وليس به، الحديث، وقد مضى تمامه في الأصل الثامن (3) ويستفاد من آخره مذمة علم الكتاب (4) وأهله وأنهم ليسوا بعلماء ويأتي في الأصل الآتي ما يؤكده وذلك لان العلم ما يوجب الخشية من الله والطمأنينة في السر كما دل عليه هذان الحديثان، وينبه عليه قوله تعالى: انما يخشى الله من عباده العلماء (5)، وليس ذلك الا اليقين والتحقيق المأخوذ من الله سبحانه كما قال الله عز وجل في حق من قال (6): وعلمناه من لدنا علما. وقال بعضهم (7): أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا

١ - في شرح النهج لابن أبي الحديد: " عشاوات ".
٢ - انظر ج ٢ من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، من طبعة مصر (ص ١٢٩ - ١٣٠).
ونقله الأمين الاسترآبادي في الفوائد المدنية (ص ٩٦).
٣ - انظر ص ١٢٢ - ١٢١. ٤ - في نسخة أخرى: " الكلام ".
٥ - من آية ٢٨ سورة الفاطر. ٦ - ذيل آية ٦٥ سورة الكهف.
٧ - المراد من هذا البعض أبو يزيد وذلك لأنه قال المصنف (ره) في مقدمة كتابه الموسوم بعين اليقين المنضم في الطبع بكتابه الاخر المسمى بعلم اليقين ضمن كلام له يشبه كلامه هذا، ولا بأس بنقل شئ منها، فقال تحت عنوان " المقدمة في الإشارة إلى فضيلة علم - التوحيد وشرف أهله وكيفية تحصيله " (ص ٢٤٠):
" ان شرف العلم يكون بقدر شرف المعلوم (فساق الكلام إلى أن قال) وكلهم انما يأخذون علمهم عن الله سبحانه بلا واسطة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وعلمناه من لدنا علما، قال أبو يزيد: أخذتم علمكم ميتا عن ميت واخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، وانما يحصل هذا العلم بعد فراغ القلب وصفاء الباطن وتخليته عن الرذائل وتحليته بالفضائل والزهد في الدنيا ومتابعة الشرع وملازمة التقوى، واتقوا الله ويعلمكم الله، ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.
وفي الحديث ليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه، العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه وأنطق به على لسانهم، العلم علم الله لا يعطيه الا لأوليائه، الجوع سحاب الحكمة فإذا جاع العبد مطر بالحكمة، من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، من علم وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، ما من عبد الا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غائب عن بصره، وفي كلام أمير المؤمنين وسيد الموحدين (ع): ان من أحب عباد الله إليه (فساق الحديث إلى آخره وكذا حديثه الاخر الذي أوله: قد أحيا قلبه وأمات نفسه) ". وذكر أيضا في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء تحت عنوان " بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل المجاهدة في اكتساب المعرفة لا من التعلم ولا من الطرق المعتادة " كلاما مبسوطا في اثبات ما يفصح عنه عنوان الباب فمن اراده فليراجع الكتاب المذكور (ج ٥،، ص ٤٧ - ٤٣ من طبعة مكتبة الصدوق) ومما استشهد به قوله (ره) في ص ٤٣ " وقال النبي (ع): من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " وقوله (ره) في أواخر العنوان (ص ٤٥):
" ومن الاخبار النبوية في هذا المقام: ليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه (فذكر ما بعده من الأحاديث النبوية إلى قوله " فيرى ما هو غائب عن بصره " كما ذكره في عين اليقين كما نقلناه عنه).
(١٦١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 ... » »»