تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٧ - الصفحة ٩
فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا وأما عثمان فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. وروي أيضا غير ذلك ولم نقف على رواية فيها ما يدل على أن هذا التحريم كان على الغير بالفتوى والحكم كما ذهب إليه هذا القائل. ومع هذا يبعده ما يأتي بعد من الأمر بالأكل. ولا ينافي هذا النهي أن الله تعالى مدح النصارى بالرهبانية فرب ممدوح بالنسبة إلى قوم مذموم بالنسبة إلى آخرين.
وقوله تعالى: * (ولا تعتدوا) * تأكيد للنهي السابق أي لا تتعدوا حدود ما أحل سبحانه لكم إلى ما حرم جل شأنه عليكم أو نهى عن تحليل الحرام بعد النهي عن تحريم الحلال فيكون تأسيسا. ويحتمل أن يكون نهيا عن الإسراف في الحلال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ومجاهد وقتادة أن المراد لا تجبوا أنفسكم ولا يخفى أن الجب فرد من أفراد الاعتداء وتجاوز الحدود والحمل على الأعم أعم فائدة. وقوله سبحانه وتعالى: * (إن الله لا يحب المعتدين) * في موضع التعليل لما قبله. وقد تقدمت الإشارة إلى أن نفي محبة الله سبحانه لشيء مستلزم لبغضه له لعدم الواسطة في حقه تعالى.
* (وكلوا مما رزقكم الله حل‍الا طيبا واتقوا الله الذىأنتم به مؤمنون) *.
* (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) * أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالا مفعول به لكلوا و * (مما رزقكم) * إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا أو متعلق بكلوا و (من) ابتدائية. ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئا مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولا بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفا. و * (حلالا) * حال من الموضول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلا حلالا. وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك.
* (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) * استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن. والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى، وقد أكل صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى. وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك. وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السنجي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: لعاب النحل بلعاب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد جاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية " وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل: " شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم " وعن أنس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهيا شديدا ". وعن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس مني " إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
* (لا يؤاخذكم الله باللغو فىأيم‍انكم ول‍اكن يؤاخذكم بما عقدتم الايم‍ان فكفارته إطعام عشرة مس‍اكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثل‍اثة أيام ذالك كفارة أيم‍انكم إذا حلفتم واحفظوا أيم‍انكم كذالك يبين الله لكم ءاي‍اته لعلكم تشكرون) *.
* (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) * اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس، وروي ذلك عن مجاهد. وعند الشافعي رحمه الله تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله
(٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 ... » »»