تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٧ - الصفحة ٤
في القسيسين أيضا إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فإن اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها وإلا فمن اليهود أيضا قوم مهتدون لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود.
* (وأنهم لا يستكبرون) * عطف على (أن منهم) أي وبأنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخصلة على ما قيل شاملة لجميع أفراد الجنس فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة. وفي الآية دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت.
* (وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترىأعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ ءامنا فاكتبنا مع الش‍اهدين) *.
* (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع) * عطف على * (لا يستكبرون) * و * (إذا) * في موضع نصب بترى، وجملة * (تفيض) * في موضع الحال والرؤية بصرية أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون (المائدة: 82) وأنهم إذا سمعوا القرآن رأيت أعينهم فائضة من الدمع، وجوز السمين وغيره الاستئناف، وأيا ما كان فهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه. والظاهر عود ضمير * (سمعوا) * ل‍ * (الذين قالوا إنا نصارى) * (المائدة: 82).
وقد تقدم أن الظاهر فيه العموم، وقيل: يتعين هنا إرادة البعض، وهو من جاء من الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل النصارى ليسوا كذلك، " والفيض انصباب عن امتلاء، ووضع هنا موضع الامتلاء بإقامة المسبب مقام السبب أي تمتلىء من الدمع " أو قصد المبالغة فجعلت أعينهم بأنفسها تفيض من أجل الدمع قاله في " الكشاف ". وأراد على مافي " الكشف " أن الدمع على الأول: هو الماء المخصوص وعلى الثاني: الحدث، وهو على الأول: مبدأ مادي وعلى الثاني: سببي. وفي " الانتصاف " " أن هذه العبارة أبلغ العبارات وهي ثلاث مراتب فالأولى: فاض دمع عينه وهذا هو الأصل والثانية: محولة من هذه وهي فاضت عينه دمعا فإنه قد حول فيها الفعل إلى العين مجازا ومبالغة ثم نبه على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز، والثالثة: ما في النظم الكريم وفيها التحويل المذكور إلا أنها أبلغ من الثانية باراح التنبيه على الأصل وعدم نصب التمييز وإبرازه في صورة التعليل "، وجوز الزمخشري أن تكون - من - هذه هي الداخلة على التمييز وهو مردود وإن كان الكوفيون ذهبوا إلى جواز تعريف التمييز وأنه لا يشترط تنكيره كما هو مذهب الجمهور لأن التمييز المنقول عن الفاعل يمتنع دخول من عليه وإن كانت مقدرة معه فلا يجوز تفقأ زيد من شحم فليفهم.
* (مما عرفوا من الحق) * * (من) * الأولى: لابتداء الغاية متعلقة بمحذوف وقع حالا من * (الدمع) * أي حال كونه ناشئا من معرفة الحق. وجوز أن تكون تعليلية متعلقة بتفيض أي أن فيض دمعهم بسبب عرفانهم. وجوز على تقدير كونها للابتداء أن تتعلق بذلك أيضا لكن لا يجوز على تقدير اتحاد متعلق * (من) * هذه ومن في * (من الدمع) * القول باتحاد معناهما فإنه لا يتعلق حرفا جر بمعنى بعامل واحد، و * (من) * الثانية: للتبعيض متعلقة بعرفوا على معنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة، أو لبيان (ما) بناء على أنها موصولة، ونص أبو البقاء على أنها متعلقة بمحذوف وقع حالا من العائد المحذوف ولم يذكر الاحتمال الأول. وقرىء * (ترى أعينهم) * على صيغة المبني للمبعول.
* (يقولون) * استئناف مبني على
(٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 ... » »»