عمدة القاري - العيني - ج ٧ - الصفحة ٢٥
إلى الصحراء حال كونه مريدا الاستسقاء. قوله: (وحول رداءه)، عطف على: (خرج)، قال الخطابي: اختلفوا في صفة التحويل، فقال الشافعي: بنكس أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، ويتوخى أن يجعل ما على شقه الأيمن على الشمال، ويجعل الشمال على اليمين، وكذلك قال إسحاق، وقال الخطابي: إذا كان الرداء مربعا يجعل أعلاه أسفله وإن كان طيلسانا مدورا قلبه ولم ينكسه، وقال أصحابنا: إن كان مربعا يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورا يجعل جانب الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وقال ابن بزيزة: ذكر أهل الآثار أن رداءه صلى الله عليه وسلم كان طوله أربعة أذرع وشبرا في عرض ذراعين وشبر، وقال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة أذرع وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد، ثم يطويان. والحكمة في التحويل التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. قال ابن العربي: قال محمد بن علي: حول رداءه ليتحول القحط. قال القاضي أبو بكر: هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل، فإن من شرط الفأل إن لا يكون يقصد، وإنما قيل له: حول رداءك فيتحول حالك. فإن قلت: لعل رداءه سقط فرده، وكان ذلك اتفاقا قلت: الراوي المشاهد للحال أعرف، وقد قرنه بالصلاة والخطبة والدعاء، فدل أنه من السنة، ويشهد لذلك ما رواه الحاكم في (المستدرك) على شرط مسلم، من حديث ابن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه فقلبها عليه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. قلت: هذا يرشح قول أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر ما يستفاد منه: وهو وجوه: الأول: أنه احتج به أبو حنيفة على أن الاستسقاء استغفار ودعاء وليس فيه صلاة مسنونة في جماعة، فإن الحديث لم يذكر فيه الصلاة. وقال صاحب (الهداية): فإن صلى الناس وحدانا جاز، وعند أبي يوسف ومحمد: السنة أن يصلي الإمام ركعتين بجماعة كهيئة صلاة العيد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وذكر في (المحيط) قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وقال النووي لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول. قلت: هذا ليس بصحيح، لأن إبراهيم النخعي قال مثل قول أبي حنيفة، فروى ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقي، قال: فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروى ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن عيسى بن حفص عن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه، قال: خرجنا مع عمر ابن الخطاب يستسقي فما زاد على الاستغفار.
الوجه الثاني: أنه يدل على أصل الاستسقاء وأنه مشروع.
الثالث: يدل على أن تحويل الرداء فيه سنة. وقال صاحب (التوضيح): تحويل الرداء سنة عند الجمهور، وانفرد أبو حنيفة وأنكره ووافقه ابن سلام. من قدماء العلماء بالأندلس والسنة قاضية عليه. قلت: أبو حنيفة لم ينكر التحويل الوارد في الأحاديث إنما أنكر كونه من السنة لأن تحويله صلى الله عليه وسلم كان لأجل التفاؤل لينقلب حالهم من الجدب إلى الخصب، فلم يكن لبيان السنة، وما ذكرناه من حديث ابن زيد الذي رواه الحاكم يقوي ما ذهب إليه أبو حنيفة، ووقت التحويل عندنا عند مضي صدر الخطبة، وبه قال ابن الماجشون، وفي رواية ابن القاسم: بعد تمامها، وقيل: بين الخطبتين، والمشهور عن مالك: بعد تمامها، وبه قال الشافعي، ولا يقلب القوم أرديتهم عندنا، وهو قول سعيد بن المسيب وعروة والثوري والليث بن سعد وابن عبد الحكيم وابن وهب وعند مالك والشافعي وأحمد: القوم كالإمام، يعني يقلبون أرديتهم، واستثنى ابن الماجشون النساء، وفي هذا الباب وجوه كثيرة يأتي بيان ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى.
2 ((باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) أي: هذا باب في بيان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت على الكافرين بقوله: (إجعلها) أي: اجعل تلك المدة التي تقع فيها الشدة، وهي التي قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اشدد وطأتك على مضر)، وهذا الضمير هو المفعول الأول لقوله: (اجعل)، وقوله: (سنين)، بالنصب هو المفعول الثاني، وسنين جمع: سنة، وفيه شذوذان: أحدهما: تغيير مفرده من الفتحة إلى الكسرة. والآخر: كونه جمعا لغير ذوي العقول، وحكمه أيضا مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاثة أوجه. الأول: أن يعرب كإعراب مسلمين. والثاني: أن تجعل نونه متعقب الإعراب منونا. والثالث: أن يكون منونا وغير منون، منصرفا وغير منصرف.
(٢٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 ... » »»