بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٤ - الصفحة ٨
وقال بعض الصوفية: للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد، وللمكان

السماء الأولى، قال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) وقال تعالى (انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب).
واما الأيام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الأرض يوم بمعناه المشهور، أعني ما يحصل من حركة الأرض الوضعية، لان هذا المعنى إنما يمكن قرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، أو مقادير أخرى من الزمان اعتبرت أياما بعناية: كما يطلق الأيام على السنين والأعوام بلى على القرون والأحقاب وهو استعمال شائع. وعلى أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات والأرض فلا بد من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية أو عرضية قبلها - وقد مر استظهار وجود الماء عندئذ - والا فمعنى وقوع خلق السماوات والأرض في تلك الأزمنة مقارنته لها: ويكفى في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان.
وأما القول بان الزمان أمر موهوم منتزع من بقاء ذات الباري سبحانه فان أريد ان ذاته تعالى منشأ لانتزاعه ففيه مضافا إلى أنه ينافي مخلوقيته ان الزمان أمر سيال متصرم وحقيقته التجدد والتغير وما هذا شانه يستحيل انتزاعه مما لا سبيل للتغير إليه بوجه، وكذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الأرواح، الا ان يقال بكونها أجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الأجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. وان أريد انه أمر موهوم لا اثر منه في الخارج أصلا فلا يمكن إناطة الأبحاث الحقيقية كبحث القدم والحدوث الزمانين وغيره من الأبحاث الهامة: مع أنه بناء عليه لا يبقى فرق حقيقي بين الحوادث الماضية والآتية! وسيأتي الكلام فيه.
واما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للأيام الستة فالذي يظهر من الآيات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعي بل المراد الايجاد التدريجي: قال تعالى (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) وقال (خلق الأرض في يومين) وقال (وجعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام) والظاهر أنه ليس المراد بهذه الأربعة أياما أخرى غير اليومين الأولين، والا لما بقي لخلق السماوات شئ من ستة أيام، وهو تعالى يقول بعيد هنا (فقضاهن سبع سماوات في يومين) فخلق الأرض واكمالها إلى أن تستعد لوجود الرواسي و تهيئة الأقوات كل ذلك وقع في أربعة أيام، الا ان يقال بتداخل أيام خلق السماوات في أيام خلق الأرض ووقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من أيام خلق الأرض وكيف كان فيشبه أن يكون المراد بالأيام التي خلقت فيها الأرض الأدوار التي مرت عليها من حين احداثها إلى أن صارت على حالها هذه واستعدت لنشوء الموجود الحي فيها، فينطبق على ما ذكره علماء (الجيولوجيا) في أدوار الأرض بعض الانطباق. وأن يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها أعني الدورة التي كانت مرتتقة غير متميزة، والدورة التي فتقت وسويت سبع سماوات متميزة. وسيأتي نقلا عن تفسير القمي ان المراد بأربعة أيام الفصول الأربعة لأنها التي يخرج الله تعالى فيها أقوات الناس والبهائم وسائر الحيوانات والله العالم.
(٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 تعريف الكتاب تعريف الكتاب 1
2 * أبواب * * كليات أحوال العالم وما يتعلق بالسماويات * * الباب الأول * حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
3 تفسير الآيات، وبحث وتحقيق حول: " خلق السماوات والأرض في ستة أيام " 6
4 تحقيق في خلق الأرض قبل السماء، أم السماء قبلها 22
5 معنى الحدوث والقدم 31(ه‍)
6 اخبار وخطب في التوحيد 32
7 فيما قاله الرضا عليه السلام لعمران الصابي، وفيه بيان 47
8 الدليل على حدوث الأجسام 62
9 في أن أول ما خلقه الله النور 73
10 في خلق الأشياء 77
11 تفسير قوله تعالى: " وكان عرشه على الماء " 95
12 في إماتة الخلق 104
13 الخطبة التي خطبها أمير المؤمنين (ع) في التوحيد وخلق الأشياء، وفيها بيان 106
14 الخطبة التي خطبها علي عليه السلام، ويذكر فيه ابتداء خلق السماوات... 176
15 في خلق الأشياء من الأنوار الخمسة الطيبة عليهم السلام 192
16 في أن أول ما خلق الله تعالى نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله 198
17 في أن الله تعالى خلق أرض كربلا قبل أن يخلق أرض الكعبة، ودحي الأرض من تحتها 202
18 بيان في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم، وتحقيق حول: اليوم، والسنة القمرية والشمسية، ومعنى الأسبوع في خلق الله 216
19 في بيان معاني الحدوث والقدم 234
20 في تحقيق الأقوال في ذلك 238
21 في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص 254
22 الدلائل العقلية، وبطلان التسلسل 260
23 في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين والمشككين 278
24 بحث وتحقيق في أول المخلوقات 306
25 بحث وتحقيق ورفع اشكال عن آيات سورة السجدة... 309
26 * الباب الثاني * العوالم ومن كان في الأرض قبل خلق آدم عليه السلام ومن يكون فيها... 316
27 معنى قوله تعالى: " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق " والأقوال في هذه الأمة 316
28 في عدد مخلوقات الله تعالى 318
29 في الجن والنسناس 323
30 جابلقا وجابرسا، وقول الصادق عليه السلام: من وراء شمسكم أربعين شمس 329
31 فيما سئله موسى عليه السلام عن بدء الدنيا 331
32 بحث وتحقيق رشيق حول اخبار العوالم وجابلقا وجابرسا، وفي الذيل ما يناسب المقام 349
33 بحث حول عالم المثال 354
34 العلة التي من أجلها سميت الدنيا دنيا والآخرة آخرة 355
35 * الباب الثالث * القلم، واللوح المحفوظ، والكتاب المبين، والامام المبين، وأم الكتاب 357
36 تفسير الآيات 358
37 في اللوح المحفوظ والقلم 362
38 في أن اللوح من درة بيضاء 376