المبسوط - السرخسي - ج ١٣ - الصفحة ٣٩
حديث صحيح مشهور وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (قال) من اشترى شاة محفلة فهو يؤخر النظرين إلى ثلاثة أيام ان رضيها أمسكها وان سخطها ردها ورد معها صاعا من تمر وبعد ما صح الحديث فكل قياس متروك بمقابلته مع أن الحديث موافق للأصول لأنه أثبت الخيار لغرور كان من البائع والتدليس والغرور يثبت للمشترى حق الرجوع كما لو اشترى صبرة حنطة فوجد في وسطها دكانا أو اشترى قفة من الثمار فوجد في أسفلها حشيشا ثم ذكر الأيام الثالثة ليس للتوقيت في خيار العيب بل لبيان المدة التي يظهر فيها العيب وأما رد التمر لمكان اللبن فلان ما كان موجودا عند العقد من اللبن قد أتلفه المشترى أو فسد في يده ولا يعلم مقداره ليرد مثله فأمره برد التمر مكانه للتحرز عن الربا فالقوت فيهم كان هو التمر واللبن فهذا أقام أحدهما مقام الآخر وأكثر ما فيه أن هذا مخالف للقياس فيجعل كالمسكوت عنه فيبقى أول الحديث معمولا به واختلف أصحاب الشافعي فيما إذا سقى الدابة وعلفها حتى ظنها المشترى حاملا فمنهم من يقول له حق الرد إذا تبين أنها ليست بحامل للتدليس والغرور ومنهم من يقول ليس له حق الرد هنا لان اكتساب سبب هذا الغرور يجعل كالشرط فيما يجوز اشتراطه وشرط الحبل في بيع الدابة لا يجوز فلا يجعل ذلك كالمشروط وأما شرط كون الناقة لبونا والعبد كاتبا أو خبازا يجوز فيجعل البائع إنما اكتسب من السبب كالشارط ذلك للمشترى وحجتنا في ذلك أن مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع وبقلة اللبن لا تنعدم صفة السلامة لان اللبن ثمرة وبعدمها لا تنعدم صفة السلامة فبقلتها أولي وإذا ثبت صفة السلامة انتفى العيب ضرورة ولا يجوز أن يثبت الخيار للغرور لان المشترى مغتر لا مغرور فان ظنها عزيزة اللبن بالبناء على شئ مثبتة فان انتفاخ الضرع قد يكون بكثرة اللبن في الضرع وقد يكون بالتحفيل وعلى ما ظهر من عادات الناس احتمال التحفيل فيه أظهر فيكون هو مغترا في تباطنه على المحتمل والمحتمل لا يكون حجة وقد كان متمكنا من أن يسأل البائع ليبنى على النص الذي سمع منه فحين لم يفعل كان مغترا ولئن كان مغرورا فلا يمكن أن يجعل هذا الشرط غزارة اللبن عندنا لان اشتراط ذلك مفسد للبيع كشرط الحمل فأكثر ما في الباب أن يجعل ذلك بمنزلة جبر يجبره البائع أنها عزيزة اللبن من غير أن يجعل ذلك مشروطا في العقد والغرور بالخبر لا يثبت حق الرجوع على الغار كمن أخبر انسانا بأمن الطريق فسلكها فأخذ اللصوص متاعه وإنما
(٣٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 ... » »»
الفهرست