الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - صدر الدين محمد الشيرازي - ج ٨ - الصفحة ١٦٨
والحال ان الموجبتين في الثاني لا تنتجان وذلك وهم فاسد بل إنهم قالوا كل ما هو موجود مستقل الوجود مجرد عن المادة فصوره ذاته موجودة لذاته لا لغيره فيكون معقولا لذاته وعاقلا لذاته أو قالوا إن كلما هو مجرد عن المواد اما ان يصح ان يعقل أو لا يصح ومحال ان لا يصح ان يعقل (1) إذ كل موجود يمكن ان يعقل بوجه فصحه معقوليته اما بان لا يتغير فيه شئ حتى يصير معقولا بالفعل أو بان يتغير فيه شئ كالحال في المعقولات بالقوة من الأجسام وغيرها التي تحتاج في معقوليتها إلى نزع وتجريد مجرد ينتزعها ويجردها عن المادة وعن غواشيها حتى تصير معقولة بالفعل بعد ما كانت معقولة بالقوة لكن الشق الثاني لا يصح في المجرد بالفعل إذ كل ما له من الصفات والأحوال بالامكان العام فهو له بالوجوب إذ لا انفعال ولا تغير له فلا يسنح له شئ لم يكن فكلما يجوز له يجب له فلما جاز كون كل مجرد معقولا فوجب ان يكون معقولا بالفعل دائما فوجب ان يكون معقولا لذاته مع قطع النظر عن غيره فهو عاقل لذاته (2) فإن لم يكن عاقلا لذاته بالفعل لكان معقولا لذاته بالقوة وقد فرضناه

(١) ولو بالوجوه العامة مثل انه موجود وواجب أو ممكن أو غير ذلك س قده (٢) إذ لو كان معقولا لغيره والغير عاقلا له لكان موجودا لغيره فلم يكن مجردا عن المادة بالمعنى الأعم من الموضوع وقد فرضناه مجردا هذا خلف.
ان قلت لا نسلم الخلف لم لا يجوز ان يكون معقولا للغير بالعلم الحضوري لا بالارتسام والحلول.
قلت هذا الدليل من المشائين وهم يحصرون العاقلية والمعقولية للغير في الارتسام وهيهنا لما كان المفروض ان المجرد معقول بالذات والمعقول بالذات وجوده في نفسه عين وجوده لعاقله لزم حلول نفسه وارتسام ذاته في الغير الذي هو عاقله.
ان قلت أليست الصورة الكلية التي في عقولنا مجرده كما قال المحقق الطوسي قده النفس مجرده لتجرد عارضها مع أنها حاله في النفس فبطل قولكم لو كان ذلك المجرد معقولا للغير كان حالا فيه فلم يكن مجردا وقد فرضناه مجردا هذا خلف.
قلت على مذهب القوم ليست مجرده عن الموضوع الذي هو النفس ومرادهم بتجردها التجرد عن المادة الخارجية ولواحقها واما على مذهب المصنف قده فالتعقل بمشاهدة النفس لأرباب الأنواع عن بعد بل باتحادها معها فلم تكن هنا صوره حاله في موضوع حتى تكون مادة للنقض.
ان قلت على مذهبه قده يلزم أن تكون مجرده عاقلة لذاتها وكون الصور الكلية عاقلة لذواتها ظاهر البطلان.
قلت نلتزم ذلك كيف وهي نفس وعقل وهما عاقلان لذاتيهما واستبعادك منشأه الخلط بين ماهية الشئ ووجوده فان ماهية الصورة الكلية الفرسية عاقليتها ظاهره البطلان وهو قده لا يقول باتحاد هذا المفهوم مع العاقل بل باتحاد وجودها أي وجودها النوري العقلي معه ووجوده عاقل لذاته بعين عاقلية مدركها.
ان قلت بل يمكن تتميم الدليل بان يقال فهو عاقل لذاته إذ المعقولية والعاقلية متضائفتان والمتضائفان متكافئان فإذا كانت المعقولية في مرتبه ذات المجرد بحيث لا وجود له الا المعقولية كانت العاقلية أيضا في مرتبه ذاته لأن المفروض قطع النظر عن جميع الأغيار في المعقولية.
قلت نعم استدل المصنف قده بهذا التكافؤ على اتحاد العاقل والمعقول في العلم بالغير أيضا في رسالة المشاعر وغيرها ولكن عندي انه لا يثبت المطلوب مطلقا بهذا إذ التكافؤ في المرتبة الذي هو من احكام التضايف لا يقتضى أزيد من تحقق أحد المضائفين مع الاخر ولو بنحو المقارنة لا مقدما ولا مؤخرا لا الاتحاد كيف والعلة مضائفة للمعلول والمحرك للمتحرك والتكافؤ لا يستدعى الا ثبوت المعية في المرتبة بين طرفي كل منهما وسلب الترتيب بينهما لا اتحادهما وجودا وحيثية والا اجتمع المتقابلان في موضوع واحد من جهة واحده وهذان ونحوهما من التضايف الذي هو من اقسام التقابل بالاتفاق كما سيصرح به فما ذكر من أنه مع قطع النظر عن جميع الأغيار معقول فمع قطع النظر عنها عاقل ممنوع ان سلك مسلك التضايف لان مفهوم المعقول بالنظر إلى مفهوم العاقل معقول كيف وكل مضاف امر معقول بالقياس إلى الغير والغرض ان المفهومين المتضائفين كما أنهما بمجرد تغاير مفهومهما لا يقتضيان تكثر الوجود والحيثية لا يقتضى تكافؤهما أيضا الاتحاد ولا التكثر وان لا يأبى الاتحاد بدليل من خارج.
نعم لو تمسك بالإضافة وأريد اضافه اشراقية وجودية وان للمعقول بالذات وجودا رابطا وان ذلك يقتضى ضربا من الاتحاد والاتصال في مقام الظهور بلا تجاف عن المقام العالي لكان موجها وسيأتي في مبحث علم الواجب تعالى ما يؤيد هذا فانتظر.
والانصاف انه ليس مراده قده لا في تلك الرسالة ولا في غيرها التمسك بمجرد التضايف بل الملاك في الاستدلال ان لا وجود ولا شان للمدرك الا المدركية لأنه نوري علمي وقد قرر ان الوجود النوري علم ومعلوم بحيث لو فرض عدم جميع أغياره ووجود ذاته لكان وجوده وجودا نوريا ادراكيا وإذا كان مدركا والحال هذه فمدركه ذاته إذ المفروض عدم الأغيار كما في المجرد بذاته بلا تجريد مجرد إياه حيث لا وجود له سوى المدركية وذاته مدركه لذاته.
ولا يجرى ما ذكر في المعلول بالذات لان المعلول معلول بالعلة المغائرة لا مع قطع النظر عن جميع الأغيار حتى العلة بخلاف المعقول بالذات فإنه مع قطع النظر عن جميع الأغيار معقول وعنوان المعقول غير محتاج إلى العلة كما في الحق تعالى وان احتاج فمن جهة عنوان المعلول والامكان ومسلك التضايف أيضا تام لان جهة التكافؤ في القوة والفعل فان المعقول بالفعل يستدعى العاقل بالفعل س قده
(١٦٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 مقدمة المؤلف 2
2 الموقف الأول في الإشارة إلى واجب الوجود 11
3 الفصل (1) في اثبات وجده والوصول إلى معرفة ذاته 12
4 برهان الصديقين وهو أسد البراهين 13
5 في ان حقيقة الوجود هي عين الواجب 23
6 الفصل (2) في الإشارة إلى مناهج أخرى للوصول إلى هذه الوجهة 26
7 طريقة صاحب المطارحات في اثبات الواجب ونقضها 30
8 الفصل (3) في الإشارة إلى وجوه من الدلائل ذكرها بعض المحققين 37
9 نقض كل من الوجوه المذكورة 39
10 الفصل (4) في الإشارة إلى طرائق أخرى لأقوام 41
11 مناهج الطبيعين في اثبات الواجب 42
12 طريقة المتكلمين المبتنية على الحدوث 47
13 الفصل (5) في ان واجب الوجود إنيته مهيته 48
14 ابطال كون الواجب ذا ماهية بتقرير آخر 51
15 مسلك آخر في نفي المهية عن الواجب 56
16 الفصل (6) في توحيده ونفى الشريك عنه في وجوب الوجود 57
17 الفصل (7) تعقيب الكلام بذكر ما افاده بعض المحققين وما يرد عليه 63
18 وجوه من الاشكال تورد على كلام المحقق الدواني 68
19 نقض كلام المحقق الدواني بوجه آخر 78
20 تقرير السيد الصدر (ره) لتوحيد الواجب تعالى 80
21 اعتراضات المحقق الدواني على السيد الصدر ودفعها 82
22 الفصل (8) في ان واجب الوجود لا شريك له في الإلهية 92
23 طريق آخر لأرسطو في نفي الشريك عنه تعالى 94
24 الفصل (9) في انه تعالى بسيط الحقيقة من كل جهة ليس مؤتلفة الذات من اجزاء وجودية عينية أو ذهنية 100
25 طريق آخر لاثبات بساطته تعالى 102
26 طريقة أخرى لبيان بساطة الواجب 103
27 الفصل (10) في ان الواجب الوجود لا فصل لحقيقته المقدسة 105
28 الفصل (11) في ان الواجب الوجود لا مشارك له في أي مفهوم كان 107
29 الفصل (12) في ان واجب الوجود تمام الأشياء واليه يرجع الأمور كلها 110
30 تفصيل القول في انه تعالى تمام الأشياء 112
31 الموقف الثاني في البحث عن صفاته تعالى على وجه العموم الفصل (1) في الإشارة إلى اقسام الصفات 118
32 كلام السهروردي في نفى الإضافات والحيثيات المختلفة عنه تعالى 121
33 الفصل (2) في قسمة أخرى رباعية للصفات الثبوتية 123
34 الفصل (3) فيما قيل من ان صفاته يجب ان تكون نفس ذاته 125
35 ما أورده المصنف على برهانهم في عينية الصفات 128
36 الفصل (4) في تحقيق القول بعينية الصفات الكمالية للذات الأحدية 133
37 شرح كلام على (ع) في نفى زيادة الصفات على ذاته تعالى 136
38 الفصل (5) ايضاح القول بان صفاته الحقيقية كلها ذات واحدة لكنها مفهومات كثيرة 145
39 الموقف الثالث في علمه تعالى الفصل (1) في ذكر أصول ومقدمات ينتفع بها في هذا المطلب 149
40 اتحاد المدرك والمدرك 165
41 شكوك في اتحاد المدرك والمدرك و إزاحتها 169
42 الفصل (2) اثبات علمه تعالى بذاته 174
43 الفصل (3) في علمه تعالى بما سواه 176
44 الفصل (4) تفصيل مذاهب الناس في علمه بالأشياء 180
45 الفصل (5) في الإشارة إلى بطلان مذهب الاعتزال ومذهب ينسب إلى أهل التصوف 182
46 الفصل (6) في حال ما ذهب إليه القائلون بالمثل العقلية وما ينسب إلى فرفوريوس من اتحاد العاقل والمعقول 188
47 الفصل (7) في حال القول بارتسام صور الأشياء في ذاته تعالى 189
48 كلام الشيخ في انه تعالى لا يعقل الأشياء من الأشياء 193
49 تزييف ما أورده أبو البركات والسهروردي على كلام الشيخ 199
50 نقد ما أورده المحقق الطوسي على وجود الصور في ذاته تعالى 209
51 بيان ان الإضافة بين الواجب وبين الأشياء إضافة اشراقية 214
52 قدح العلامة الخفري في اثبات الصور الإلهية ودفعه 221
53 الفصل (8) ما يقدح به في مذهب القائلين بارتسام الصور في ذاته تعالى 227
54 في ان علمه تعالى بذاته يقتضي علمه بمعلولاته 230
55 كلام الفارابي في الجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطو في علمه تعالى 235
56 الفصل (9) حال مذهب القائلين بالعلم الاجمالي له تعالى بما سواه 238
57 انقسام علم الانسان بأقسام ثلاثة 242
58 الفصل (10) حال القول بان علمه بالصادر الأول تفصيلي وبغيره اجمالي 245
59 الفصل (11) حال مذهب من يرى ان علمه بالأشياء بالإضافة الاشراقية 249
60 تمثيل علمه تعالى بالأشياء بعلم النفس وقواها 252
61 اعتراضات ترد على كلام المحقق الطوسي في علمه تعالى 256
62 الفصل (12) ذكر صريح الحق في علمه تعالى السابق على كل شئ حتى على الصور العلمية القائمة بذاته 263
63 تمهيد أصول لكونه تعالى بسيط الحقيقة كل الأشياء وهو منهج الحكماء 264
64 بيان كونه تعالى بسيط الحقيقة كل الأشياء 270
65 بيان منهج الصوفية الكاملين في علمه تعالى 280
66 نقل كلام محيي الدين العربي في كيفية علمه تعالى 286
67 الفصل (13) في مراتب علمه بالأشياء 290
68 معنى القضاء والقدر 291
69 معنى اللوح والقلم وانهما من مراتب علمه تعالى 293
70 معنى اللوح المحفوظ 295
71 معنى قوله (ع) (ان له تعالى سبعين الف حجاب من نور....) 299
72 معنى العرش والكرسي 304
73 تطابق العوالم بعضها مع بعض 305
74 الموقف الرابع في قدرته تعالى الفصل (1) في تفسير معنى القدرة 307
75 في معنى القدرة عند الفلاسفة والمتكلمين 310
76 الفصل (2) في ان القدرة فينا عين القوة وفيه تعالى عين الفعلية 312
77 الفرق بين قدرة القادر المختار و قدرة الموجب 315
78 نقض كون القدرة فيه تعالى ايجابا 319
79 الفصل (3) في دفع ما ذكره بعض الناس 320
80 الفصل (4) مأخذ آخر في ابطال ان شأن الإرادة الواحدة ان يتعلق باي طرف من طرفي الممكن وباي ممكن من الممكنات 323
81 الفصل (5) مذهب المتكلمين في المرجح لإرادة خلق العالم 325
82 معنى وجود اللم في أفعاله تعالى 326
83 الفصل (6) في دفع بعض الأوهام عن هذا المقام 328
84 كلام المحقق الطوسي في اتحاد الإرادة والعلم 331
85 الفصل (7) في تفسير الإرادة والكراهة 334
86 معنى الإرادة والكراهة عند المعتزلة وما يرد عليه 337
87 معنى الإرادة والكراهة عند المصنف 340
88 الفصل (8) دفع ما أورد على اتحاد هذه الأمور في حقه تعالى 343
89 شكوك موردة في مغايرة الإرادة للعلم والقدرة و إزاحتها 345
90 كلام الشيخ في نفى الإرادة الزائدة عنه تعالى 358
91 كلام المحقق الطوسي في اثبات الغرض في فعله تعالى 363
92 الفصل (9) اعتضاد ما ذكرنا من الفرق بين ارادته و إرادتنا من طريق النقل 364
93 تحرير محل النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة والحكماء 365
94 الفصل (10) في حكمته تعالى وعنايته وهدايته وجوده 368
95 الفصل (11) في شمول ارادته لجميع الافعال 369
96 كلام الامامية والحكماء في ارادته تعالى 371
97 كيفية ارادته تعالى المعاصي عن العباد 372
98 ما يندفع به الشبه الواردة على خلق الأعمال 375
99 تمثيل أفعاله تعالى بأفعال النفس وقواها 377
100 الفصل (12) حل بقية الشبه الواردة على الإرادة القديمة 379
101 معنى وجوب الرضا بالقضاء مع ان المعاصي أيضا من القضاء 380
102 وجه انتساب الشرور إليه تعالى 383
103 كلام المحقق الطوسي في اثبات الاختيار للعبد 384
104 اشكال آخر على الإرادة القديمة و الجواب عنه 388
105 انهاء الشيخ جميع الإرادات إلى ارادته تعالى 391
106 الفصل (13) في تصحيح القول بنسبة التردد والابتلاء إليه تعالى 395
107 الفصل (14) في استيناف القول في استجابة الدعوات ودفع ما أورد عليها 402
108 الموقف الخامس في كونه تعالى حيا 413
109 نفى الحياة الجسمانية عنه تعالى 417
110 الموقف السادس في كونه تعالى سميعا بصيرا 421
111 حقيقة الابصار عند المصنف (ره) 424