الحاشية على الكشاف - الشريف الجرجاني - الصفحة ١٩
جلية حالها، كلمة (ما) موصولة، والجملة الآتية صلتها: أي طلبوا الأمر الذي يجب على صاحبه الإجابة إليه (لأن الخوض) تعليل لتخصيص الوجوب وإشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان من فروض الكفايات إلا أن صار عليه كفرض العين إذ كان متعينا له في زمانه (ما أرى) إما موصوفة: أي شئ أرى عليه، و (من رثاثة) بيان لما وصفة أخرى لها وإما موصولة، ومن رثاثة بيان للضمير في عليه، وحال منه للموصولة إذ لا ينتصب حال من خبر المبتدأ، وقيل المعنى: لا يساعد على جعله حالا من ضمير عليه، فإما لأن المعنى: ما أرى الزمان على رثاثة حاله، وهو مردود بأن المبين ليس في حكم الساقط بالمرة، وهذا ممنوع في البدل فكيف في البيان، وإما لأن تقييد الرؤية بحال كونه رثاثة لا فائدة فيه، وجوابه أن ما يرى عليه الزمان يتناول بمفهومه مالا يكون رثاثة، كما أن الرجس يتناول بمفهومه مالا يكون وثنا، فكما أن من الأوثان حال من الرجس مقيدة للعامل يكون الرجس وثنا كذلك من رثاثة حال من الضمير في عليه مقيدة للرؤية بكون المرئي رثاثة وهى البذاذة، يقال ثوب رث: أي خلق (والركاكة) الضعف، قال رحمه الله: الركة والرقة من باب واحد، إلا أن الركة غلبت في ذم المعاني والأقوال، يقال معنى ركيك، وقول ركيك، واستعيرت لذم الأعيان. ورجل ركيك: أي ضعيف لاعتلاله (قوله أدنى عدد هذا العلم) هو اللغة والصرف والنحو مما يتوصل به إلى المعاني الوضعية (فضلا) مصدر يتوسط بين أدنى وأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده عن الوقوع على نفى الأعلى واستحالة: أي عده محالا عرفا فيقع بعد نفى إما صريح كقولك فلان لا يعطى الدرهم فضلا عن أن يعطى الدينار، فإعطاء الدرهم منفى عنه ومستبعد، فكيف يتصور منه إعطاء الدينار. وإما ضمني كقوله وتقاصر هممهم الخ، يعنى أن هممهم تقاصرت عن بلوغ أدنى عدد هذا العلم وصار منفيا مستبعدا عنهم، فكيف يترقى إلى ما ذكر من الكلام المؤسس، وهو مصدر قولك فضل عن المال كذا: إذا ذهب أكثره وبقى أقله. ولما اشتمل على معنى الذهاب والبقاء ومعنى الكثرة والقلة نظر بعضهم إلى معنى الذهاب والبقاء فقال: تقدير الكلام في المثال الأول فضل عدم إعطاء الدرهم عن الدينار: أي ذهب إعطاء الدينار بالكلية وبقى عدم إعطاء الدرهم، وفى المثال الثاني فضل تقاصر الهمم عن بلوغ أدنى العدد عن الترقي بالمرة:
أي ذهب الترقي بالمسرة وبقى التقاصر، فالباقي هو نفى الأدنى المذكور قبل فضل، والذاهب نفس الأعلى المذكور بعده، وحينئذ يفوت شيئا من أصل الاستعمال: الأول كون الباقي من جنس الذاهب، إذ ليس انتفاء الأدنى من جنس الأعلى الثاني كون الباقي أقل من الذاهب، إذ لا معنى لكون انتفاء الأدنى أقل من نفس الأعلى. فإن قلت: المفهوم من فضلا حينئذ أن ما بعده ذاهب متف بتمامه، وأما أنه أدخل في الانتفاء وأقوى فيه مما نفى قبله كما هو المقصود فلا. قلت: قد يفهم ذلك من كونه أعلى وأدنى، إذ الأعلى أولى بالانتفاء من الأدنى. ونظر آخرون إلى معنى القلة والكثرة فقالوا: التقدير في المثال الأول فضل عدم إعطاء الدرهم عن عدم إعطاء الدينار: أي العدم الأول قليل بالقياس إلى العدم الثاني. فإن الأول عدم ممكن ويستبعد وقوعه. والثاني عدم مستحيل فهو أكثر قوة وأرسخ من الأول. وفى المثال الثاني فضل تقاصر الهمم عن الأدنى عن تقاصرها عن الترقي: أي التقاصر الأول قليل بالقياس إلى الثاني، فإن التقاصر عن الترقي واجبي، وعلى هذا التوجيه يفوت من أصل الاستعمال معنى الذهاب والبقاء، ويلزم أن لا تكون كلمة عن صلة له بحسب معناه المراد، بل بحسب أصله، ويحتاج إلى
(١٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 ... » »»